ابن الأثير

103

أسد الغابة ( دار الفكر )

- وقد قبض على صل - وهي الحية - فهي تلتوى عليه ، والشّيهم يعضّها حتى أكلها ، فزجرت ذلك فقلت : الشيهم شيء مهم ، والتواء الصل التواء الناس عن الحق على القائم بعد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، ثم أوّلت أكل الشّيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر . فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالغابة زجرت [ ( 1 ) ] الطائر ، فأخبرني بوفاته . ونعب غراب سانح فنطق بمثل ذلك ، فتعوذت باللَّه من شر ما عنّ لي في طريقي . وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أهلوا بالإحرام ، فقلت : مه ؟ فقالوا : قبض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم . فجئت المسجد فوجدته خاليا ، وأتيت بيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فأصبت بابه مرتجا ، وقيل : هو مسجى ، وقد خلا به أهله . فقلت : أين الناس ؟ فقالوا : في سقيفة بنى ساعدة ، صاروا إلى الأنصار . فجئت إلى السقيفة فوجدت أبا بكر ، وعمر ، وأبا عبيدة بن الجراح ، وسالما ، وجماعة من قريش . ورأيت الأنصار فيهم : سعد بن عبادة ، وفيهم شعراؤهم : كعب بن مالك ، وحسان بن ثابت ، وملأ منهم . فآويت إلى قريش وتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب ، وأكثروا الصواب . وتكلم أبو بكر فللّه درّه من رجل لا يطيل الكلام ، يعلم مواضع فصل الخصام ! واللَّه لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ، ومال إليه . ثم تكلم عمر بعده بدون كلامه ، ثم مدّ يده فبايعه وبايعوه . ورجع أبو بكر فرجعت معه . قال أبو ذؤيب : فشهدت الصلاة على محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم وشهدت دفنه . ثم أنشد أبو ذؤيب يبكى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم [ ( 2 ) ] : لما رأيت الناس في عسلانهم [ ( 3 ) ] * ما بين ملحود له ومضرّح [ ( 4 ) ] متبادرين لشرجع [ ( 5 ) ] بأكفهم * نصّ الرقاب ، لفقد أبيض أروح [ ( 6 ) ] فهناك صرت إلى الهموم ، ومن يبت * جار الهموم يبيت غير مروّح

--> [ ( 1 ) ] الزجر للطير : هو التيمن والتشاؤم بها ، فكانوا يتيمنون بسنوحها ، والسانح : ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر ، ويتشاءمون ببروحها ، والبارح : ما أتاك عن يسارك . [ ( 2 ) ] الأبيات في الاستيعاب : 4 / 1650 . ولم نجدها في ديوان الهذليين . [ ( 3 ) ] في المطبوعة والاستيعاب : « عسلاتهم » ، بالتاء . وفي المصورة دون نقط ، ولعل الصواب ما أثبتناه ، مأخوذ من عسلان الذئب في سرعته واضطرابه في عدوه ، يقال : عسل الثعلب والذئب يعسل عسلا - بفتحتين - وعسلانا : مضى مسرعا ، واضطرب في عدوه ، وهز رأسه . وقد استعار الشاعر ذلك للإنسان فقال : واللَّه لولا وجع في العرقوب * لكنت أبقى عسلا من الذيب [ ( 4 ) ] ملحود له : مدفون . والمضرح : الّذي وضع في الضريح . وهو القبر . [ ( 5 ) ] الشرجع : النعش يحمل عليه الميت . [ ( 6 ) ] نص كل شيء : غايته ومنتهاه ، يريد أنهم حملوه على رقابهم . وأما أروح فلعله طيب الريح ، من راح يراح روحا : إذا طاب . أو في معنى الأريحى ، وهو الّذي يهتز للندى .